ابن الجوزي
123
صفة الصفوة
وعن أبي قدامة السرخسي قال : قام العمري للخليفة على الطريق فقال له : فعلت وفعلت . فقال له : ما ذا تريد ؟ قال : تعمل بكذا وتعمل بكذا . فقال له هارون : نعم يا عمّ ، نعم يا عمّ . وعن سعيد بن سليمان قال : كنت بمكة في زقاق الشطوى وإلى جنبي عبد اللّه بن عبد العزيز العمري وقد حج هارون الرشيد فقال له إنسان : يا أبا عبد الرحمن هوذا أمير المؤمنين يسعى قد أخلي له المسعى . قال العمري للرجال : لأجزاك اللّه عني خيرا ، كلّفتني أمرا كنت عنه غنيا . ثم تعلّق نعليه وقام ، فتبعته وأقبل هارون الرشيد من المروة يريد الصّفا فصاح به : يا هارون ! فلما نظر إليه قال : لبّيك يا عمّ . قال : ارق الصّفا . فلما رقيه قال : إرم بطرفك إلى البيت . قال : قد فعلت . قال : كم هم ؟ قال : ومن يحصيهم ؟ قال : فكم في الناس مثلهم ؟ قال : خلق لا يحصيهم إلا اللّه . قال : اعلم أيها الرجل إن كل واحد منهم يسأل عن خاصة نفسه وأنت وحدك تسأل عنهم كلّهم فانظر كيف تكون ؟ قال : فبكى هارون وجلس وجعلوا يعطونه منديلا للدموع . قال العمري : وأخرى أقولها . قال : قل يا عم . قال : واللّه إن الرجل ليسرف في ماله فيستحقّ الحجر عليه . فكيف بمن يسرف في مال المسلمين ؟ ثم مضى وهارون يبكي . قال محمد بن خلف ، سمعت محمد بن عبد الرحمن يقول : بلغني أن هارون الرشيد قال : إني لأحبّ أن أحجّ كل سنة ما يمنعني إلا رجل من ولد عمر ثم يسمعني ما أكره . وقد روي لنا من طريق آخر أنه لقيه في المسعى فأخذ بلجام دابتّه فأهوت إليه الأجناد فكفّهم عنه الرشيد فكلمه فإذا دموع الرشيد تسيل على معرفة دابّته . ثم انصرف . وأنه لقيه مرّة فقال : يا هارون فعلت وفعلت . فجعل يسمع منه ويقول : مقبول منك يا عمّ ، على الرأس والعين . فقال : يا أمير المؤمنين من حال الناس كيت وكيت . فقال : عن غير علمي وأمري وخرج العمري إلى الرشيد مرّة ليعظه فلما نزل الكوفة زحف العسكر حتى لو كان نزل بهم مائة ألف من العدوّ ما زادوا على هيبته . ثم رجع ولم يصل إليه .